موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
مفارقة الحداثة: موت الإنسان باسم الإنسان
قامت الحداثة الغربية وتحديداً فلسفة التنوير على فكرة مركزية، وهي “الإنسانوية” (Humanism)، التي تعني جعل الإنسان هو المرجعية النهائية للكون، بدلاً من الوحي أو الإله. بدت هذه الفكرة براقة في ظاهرها، واعدة بتحرير البشرية. ولكن، كما يلاحظ المفكر عبد الوهاب المسيري، فإن هذه “المرجعية الكامنة” أدت إلى نتائج عكسية تماماً. حين نُزعت القداسة عن العالم وفُصل الإنسان عن خالقه، تحول الإنسان نفسه تدريجياً إلى “مادة” خاضعة لقوانين الطبيعة الصارمة.
من المركزية إلى الهامشية البيولوجية
لقد بشرت “الإنسانوية” بالإنسان السيد، لكن علومها المادية (الداروينية، الفرويدية، والسلوكية) اختزلت هذا السيد في مجرد “حيوان متطور” تحركه الغرائز، أو “آلة كيميائية” تحكمها الجينات. هنا تكمن المأساة: النظام الذي بدأ بتمجيد الإنسان، انتهى بنزع الصفة الإنسانية عنه وتبرير إبادته (كما حدث في الحربين العالميتين والاستعمار) باسم “البقاء للأقوى” أو “التقدم العقلاني”. إذا كان الإنسان مجرد مادة، فلا توجد “قيمة أخلاقية مطلقة” تمنع سحقه إذا اقتضت المصلحة المادية ذلك.
عندما ننسى “الله”، لا نصبح آلهة، بل نصبح “أشياء”. وتلك هي أزمة الحضارة المادية المعاصرة: وفرة في الوسائل (التكنولوجيا) وغياب كامل للغايات (المعنى).
استعادة التوازن: الإنسان “خليفة” لا “إلهاً”
الرؤية الحضارية البديلة (رؤية الفطرة) لا تؤله الإنسان فتجعله طاغية على الطبيعة ومدمراً لها، ولا تحقره فتجعله ترساً في آلة. إنها تضعه في منزلة “الخليفة”؛ كائن مكرم، مسؤول، مستأمن على العالم لا مالك له. هذه الرؤية تعيد للأخلاق مرجعيتها المتعالية (الوحي)، مما يحمي الإنسان من شرور نفسه ومن طغيان أخيه الإنسان. نقد “الإنسانوية” المادية ليس رفضاً لتكريم البشر، بل هو دفاع عن إنسانيتهم التي تسحقها اليوم آلات الاستهلاك ومعامل الهندسة الجينية التي تعبث بتركيبته الفطرية.