موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
القدس: نقطة التماس بين عالمين
في علم العلاقات الدولية وعلم الجغرافيا السياسية التقليدي، تكتسب المدن أهميتها من الموارد الطبيعية، الموقع الاستراتيجي، أو القوة الديموغرافية. لكن “القدس” تكسر كل هذه القواعد المادية. إنها مدينة بلا نفط، بلا ميناء، وبتضاريس صعبة، ومع ذلك تظل “المركز” الذي تدور حوله رحى السياسة العالمية. هذا العجز عن التفسير المادي يعود إلى أن القدس ليست مجرد “جغرافيا”، بل هي “كوسمولوجيا” (كونيات)؛ إنها النقطة التي تلتقي فيها السماء بالأرض، وحيث يتداخل التاريخي بالميتافيزيقي.
صراع الروايات لا صراع العقارات
إن محاولة اختزال الصراع في القدس في كونه نزاعاً عقارياً أو حدودياً هو تسطيح مخل. الصراع في جوهره هو صراع حول “السيادة على المعنى” و”احتكار الذاكرة”. المشروع الصهيوني، رغم طبيعته العلمانية في التأسيس، أدرك أن لا شرعية له دون استحضار البعد “المقدس” لتبرير الاستعمار الاستيطاني، محاولاً تحويل الأسطورة إلى تاريخ. في المقابل، يمثل الارتباط الإسلامي والعربي بالقدس ارتباطاً بـ “البركة” (الذي باركنا حوله)، وهو مفهوم يتجاوز الملكية المادية إلى “الأمانة الوجودية”.
الغرب، الذي أعلن “موت الإله” فلسفياً، يجد نفسه اليوم متورطاً في صراع تحركه النبوءات الدينية. هذا يثبت أن “المقدس” لا يموت، بل يعيد إنتاج نفسه في قلب السياسة الحديثة.
فشل الحلول “الهندسية”
كل مشاريع التسوية التي تعاملت مع القدس كـ “كعكة” يمكن تقسيمها بناءً على الكثافة السكانية أو المربعات الأمنية فشلت، لأنها أغفلت الروح الكامنة في المكان. القدس، من منظور حضاري، هي رمز لـ “العدالة المطلقة”؛ وحين تغيب العدالة فيها، يختل ميزان العالم بأسره. وبالتالي، فإن أي حل لا ينطلق من احترام “قداسة” المكان وحق أهله الأصليين (حراس السردية الحقيقية)، سيظل مجرد هدنة هشة. القدس تذكرنا دائماً بأن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، وأن الرموز هي التي تحرك الجيوش وتصنع التاريخ.