موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
وهم السيادة في عصر “ما بعد الاستعمار”
كثيراً ما نخلط بين “الاستقلال الشكلي” الذي يتمثل في العلم والنشيد الوطني والمقعد في الأمم المتحدة، وبين “الاستقلال الوظيفي” الذي يعني امتلاك القرار السيادي في اللحظات المصيرية. إن النظام الدولي المعاصر، الذي هندسته القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، صُمم ليكون “شبكة مصالح” تجعل من الخروج عنها انتحاراً اقتصادياً وسياسياً. وبالتالي، فإن الدول التي تحاول صياغة قرارها المستقل تواجه ما يمكن تسميته بـ “عقوبة التمرد”، التي تتراوح بين الحصار الاقتصادي والعزلة الدبلوماسية.
سيكولوجية التابع والمتبوع
إن أخطر ما في التبعية ليس الإملاءات الخارجية المباشرة، بل هو “الاستعمار الداخلي” للعقول، حيث تقتنع النخب السياسية في دول الجنوب بأنها عاجزة بنيوياً عن إدارة شؤونها دون “وصاية” من المراكز الغربية. هذا ما أشار إليه المفكرون النقديون بـ “تزييف الوعي”، حيث يصبح السياسي المحلي مجرد “وكيل أعمال” للمصالح الدولية، مبرراً خضوعه بمصطلحات “الواقعية السياسية” و”التوازنات الدولية”.
الاستقلال ليس منحة تُعطى في المعاهدات، بل هو “حالة نفسية” تسبق الحالة السياسية؛ إنه القدرة على تحمل كلفة الكرامة الوطنية.
دروس من تجارب التحرر
عند تأمل النماذج التي نجحت جزئياً أو كلياً في كسر طوق الهيمنة (بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع أيديولوجياتها)، نجد قواسم مشتركة تتجاوز الأبعاد العسكرية:
- الاكتفاء الذاتي النسبي: لا يمكن لدولة تأكل من وراء البحار أن تملك قرارها. السيادة الغذائية والدوائية هي الخط الدفاعي الأول.
- الشرعية الشعبية: النظام الذي يستند إلى حاضنة شعبية حقيقية يستطيع تحمل الضغوط الخارجية، بينما النظام المعزول عن شعبه يسهل ابتزازه وإسقاطه.
- بناء تحالفات بديلة: اللعب على تناقضات القوى الكبرى (عالم متعدد الأقطاب) يمنح هامش مناورة أوسع للدول الصاعدة.
ختاماً، إن استقلال الإرادة ليس شعاراً للاستهلاك المحلي، بل هو عملية “فطم” قاسية ومؤلمة عن ثدي التبعية. إنه يتطلب نخبة تملك “خيالاً سياسياً” مبدعاً، وشعباً مستعداً لدفع ضريبة السيادة، مدركاً أن الحرية ليست مجانية.